توقف عن السير أمام منزل قديم الطراز يبدو أثريا,
صفت على جانبي الطريق نحو بابه الكبير ،
اعمدة ذهبية اللون ،
و لو كان قد غطاها بعض الصدأ و التشققات إثر قدمها.
قطع تلك المسافة نحو الباب الكبير ،
الذي كان مليئا بالزخارف رغم أن لونه كان قد بهت كثيرا.
أدار مقبض الباب فأصدر صريرا حادا يثبت أنه لا يستعمل إلا نادرا ،
ثم خطى إلى الداخل حتى اختفى في الظلام الدامس.
سار عبر الصالة المظلمة متوجها إلى الدرج ،
و ما إن وضع قدمه على أول درجة حتى أضيء المصباح بجانب الأريكة في الصالة ،
و اتضحت معالم الشخص الجالس على الأريكة ،
لقد كان رجلا ، كثيف الشعر أشعثا ، لديه لحية قصيرة خشنة ،
يبدو ضخم الجثة ، كان في الأربعينيات على أقل تقدير.
قال الرجل وهو يلقي بنظرات غير ودية عليه :
_لما أنت هنا ؟
التفت نحوه و القى عليه نظرة سريعة ، قبل أن يجيب بنبرة هادئة جامدة كملامح وجهه :
_أليس هذا منزلي أيضا ؟
قال الرجل موضحا :
_ليس هذا ما أقصده ، لماذا لست في الخارج تراقب سير الأعمال ؟
لم يرد عليه ، و عاد يتابع طريقه في صعود الدرج ، صاح الرجل بغضب :
_مكانـــــــــــــــــــــــك !!
فتوقف لحظة ، تابع الرجل بحزم نافخا صدره :
_عندما أحدثك ، عليك أن تتوقف و تستمع باحترام ، هل تفهم ؟
لم يرد أيضا فاستطرد و على شفتيه ابتسامة مظلمة :
_ماذا فعلتم هذا اليوم ؟ هل بعتم الكمية كلها ؟
أومأ برأسه إيجابا ، نطقت امرأة كانت فوق الدرج ، قالت :
_و أين هي الأموال التي جمعتموها ... يا بسام ؟
نطقت اسمه بنبرة حادة . كان يكره بشاعة صوتها الأنفي المزعج ،
و لم يكن يفاجئه الخبث الذي يظهر فيه. و قبل أن يتمكن بسام من الاجابة ،
صرخ فيها الرجل بثورة :
_كيف تنادينه بهذا الاسم ؟؟ "الزعيم" ، هذا هو اسمه ، و لا أريد سماع اسم بسام مجددا ، إنه لا يليق بقائد عصابات !!
كان بسام غير راغب في الاستماع أو مواصلة الحديث ،
و لكنه وجدها فرصة ليقول ما خطط له منذ مدة ، قال بوجه خالي التعابير :
_سأرحل من هنا !
شهقت المرأة ، و صاح الرجل بدهشة :
_ماذا قلت ؟ ترحل إلى أين ؟
صمت بسام لبرهة و أجاب بهدوءه المعتاد :
_إلى أي مكان ، ليس في بالي مكان محدد ، كل ما أعلمه أني لم أعد قادرا على البقاء هنا بعد اليوم.
تبادل الرجل و المرأة النظرات و قالت الأخيرة :
_هل تسمع ؟ هل تسمع يا صفوان ؟ و أنت قلت أن هذا اليوم لن يأتي أبدا ، انظر إلى كنزك ، مصدر أموالك ، هل ستتركه يرحل بهذه البساطة ؟ هل ستتركه يفلت من يديك ؟
صرخ صفوان :
اصمتـــــــــــــي !!
ثم نهض متوجها نحو بسام بحنقة ، وقف أمامه و هتف :
_ما هذا الكلام ؟ هل فقدت عقلك ؟ لا يمكنك الرحيل ، أنت مدين لي إلى الأبد !
قال بسام :
_هذا لا يهمني ، سأحضر لك من يحل محلي في العصابة ، لن تشعر بالفرق طالما يجلب لك المال.
عض الرجل على شفتيه بسخط ، و صرخ :
_أنت لن تخونني الآن ، ليس بعد أن أنفقت و راهنت بسنوات حياتي عليك ، لقد خططت لكل شيء ، و بنيته بيدي ، و لن تهدمه الآن !!
و اخرج مسدسا من جيب سترته وهو يلصق فوهته في جبينه ، صرخ بجنون :
_سأنهي حياتك قبل أن تخطو خطوة واحدة خارج هذا المنزل ، هــــل تفهـــــــــــــــــم !!
ابتسم بسام باستخفاف وهو ينظر إلى مسدسه و قال :
_لن ترعبني بتهديدك ، هذه ليست أول مرة توجه فيها مسدسك نحوي.
ثم تلاشت ابتسامته وهو يبعد المسدس بيده و يقول بصرامة شديدة :
_لن تمنعني يا صفوان و لن تقف في طريقي !
و صعد الدرجات نحو الاعلى متجاوزا المرأة ، و تاركا اياهما يشتعلان غضبا.
دخل بسام إلى غرفته ،
و خطى بضع خطوات ،
وقف وسط الحجرة يتأملها ،
كانت شبه خالية ،
ليس فيها سوى سرير و خزانة صغيرة ،
تذكر الأيام و السنوات التي قضاها في هذه الحجرة ،
خيل اليه انه كان بالأمس فقط ،
عندما أتى إلى هنا ،
ليكتشف خداع صفوان و مدى دناءته. و لكن ..
أخيرا جاء اليوم الذي سيتحرر فيه من براثن ذلك الوحش الذي لا يرحم.
كان يعلم أنه لن يتمكن من الرحيل دون مقابل ،
لذا قرر أن يترك العصابة بعد أن يعين زياد زعيما عليها ،
يحل محله و يأخذ مكانه.
تذكر زياد قبل عامين ،
و ازداد اقتناعه بكونه الشخص المناسب لهذه المهمة ،
لم يكترث لأنانية تصرفه هذا ،
كل ما كان يشغله هو الرحيل بعيدا عن هذا المكان المنفر.
ارتمى بسام على السرير ، و ذهنه مازال يفكر.
فجأة فتح باب الغرفة فرأى صفوان أمامه ،
و الشرر يتطاير من عينيه ، صرخ بثورة :
_إلى أين تنوي الذهاب أيها الزعيم ؟
إلى أين ؟؟
هل ستتخلى عني حين احتجت إليك ؟؟
من غيري إعتنى بك و أهتم لأمرك ؟؟
لقد تركوك وحيدا ، و أرسلوك بعيدا ، لم يكترث لك أي أحد ،
هل نسيت ؟
لقد احضرتك إلى منزلي و عاملتك كـابن لي ، هل هكذا ترد الجميل ؟!
نهض بسام وافقا ، وهو يصيح بسخط :
_أي جميل هذا الذي تتحدث عنه ؟؟
لقد أجبرتني على السرقة منذ كنت صغيرا ،
و جعلتني ابيع الممنوعات التي تتاجر بها ،
شكلت عصابة من الفتية بطلب منك ،
لنسرق من الناس و نأتيك بالنقود ،
لقد استغللتني و خدعتني ، أنت اعترفت بلسانك ،
لقد كنت تخطط لهذا منذ زمن ، منذ اللحظة التي رأيتك فيها ،
سمعت حديثك قبل اسبوعين ، و أنت تعترف بكل شيء
، لذا وفر أكاذيبك ، لن اصدق حرفا واحدا مما تقوله بعد اليوم.
اطلت ابتسامة من أطراف شفتي صفوان ، أقر بخبث :
_أنت محق ، لقد علمت منذ اللحظة التي رأيتك فيها انك الشخص المناسب لخطتي ،
عرفت أنني إن وظفت مساعدا أو حتى أبرمت اتفاقية مع أي أحد ،
ما كنت لأثق به ، أما أنت ، فقد كنت قليل الكلام ،
ساذجا سهل الخداع ،
وحيدا ..
حزينا..
صغيرا ،
كنت أعلم أن بإمكاني الاستفادة منك ،
فاحضرتك معي ، و بدأت بتعليمك كل شيء عن الحياة التي نحياها ،
لقد كنت ذكيا ، تعلمت كل شيء سريعا ،
و جنيت المال بالسرعة ذاتها ،
كنت و مازالت كنزا يدر الأموال ،
محال أن اسمح لك بالذهاب بهذه البساطة ،
أنت ستبقى تعمل لدي دائما.
قال بسام بغضب :
_لن تتمكن من منعي ، سأغادر هذا المكان التعيس ، سأغادره شئت أم أبيت !
ازداد اتساع ابتسامة صفوان وهو يقول :
_سنرى بشأن ذلك !
ثم صاح مناديا :
_يا رجــــــــــــــــال !
دخل إلى الغرفة فجأة ثلاث رجال ضخام البنية اصطفوا أمامه ،
عقد بسام حاجبيه ،
كان يعلم انها اشارة لبدء معركة غير متكافئة الأطراف بينه و بينهم ،
فقرر سريعا أن يكون هو الطرف البادئ لعل ذلك يمنحه ميزة اضافية ،
انقض بسام على أحد أولائك الرجال ، و ثبته على الأرض ،
و وجه لكمة ساحقة لوجهه ، تلتها أخرى بقبضته الثانية ،
و لكن سرعان ما تدخل الرجلان الآخران ليمسكا به ،
حاول بسام التخلص من قبضاتهم التي شدت على يديه تقيدانه ،
و صرخ بعصبية :
_أتركوني !! أيها الجبناء .. أيها الجبنــــــــــــــــاء !!
اخرج صفوان من طيات ثيابه محفظة صغيرة ،
فتحها و اخرج حقنة ،
ملأها بسائل كان في علبة صغيرة في جيبه الآخر ،
أعاد العلبة الى جيبه ،
ثم تقدم نحو بسام الذي كان يحاول التحرر من قبضات الرجلين
، وهو يصرخ بانفعال :
_ابتعــــــــــــــد !!
لن اسمح لك بإدخال أي من سمومك في جسدي ،
اتركنــــــــــــي !
أيها القـــذر !!
قلت لك ابتعـــــــــــــد !!
أوقف بسام صراخه بعد أن حقن صفوان تلك الابرة في ذراعه ،
توقف عن الصراخ ثم عن الحركة ،
و احس أنه غير قادر على الوقوف أكثر ،
فتركه الرجلان يسقط أرضا ،
كان جسده يرتعش ، وهو يفقد وضوح الرؤية شيئا فشيئا ،
قرفص صفوان أمامه ، و سحبه من شعره وهو يهمس :
_كيف تشعر الآن أيها الزعيم ؟ ما كان عليك إعلان التمرد علي أبدا ، و هذا شيء صغير ليعلمك أن لا تقف في وجهي ثانية ، و أما الآن ، فاتمنى لك نوما هانئا !
ثم نهض واقفا وهو يطلق ضحكة مجلجلة ،
و خرج من الغرفة ، يتقدم بقية الرجال.
تاركين بسام يصارع تلك المادة التي أصبحت تجري في شرايينه
¤ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ¤
أشرقت الشمس تطفي بأشعتها الذهبية دفئا على الأجواء ،
تعلن عن بدء نهار جديد يحمل أملا بالحياة للبعض ،
و آلام اليأس للبعض الآخر...
كان كمال مستلقيا تحت تلك الشجرة الخضراء وارفة الضلال ،
فوق العشب الأخضر ،
يشعر بأشعة الشمس التي وجدت طريقها اليه عبر الأغصان و الأوراق الكثيفة.
تنشق نسمات الهواء العليل ،
و أغلق عينيه.
غناء العصافير ..
خرير جدول الماء ..
صوت موسيقى يطرب أذنيه.
نادى صوت أنثوي ما مقاطعا إنسجامه :
_كمال .. كمال !
فتح عينيه وهو يرسم ابتسامة مرحة ، و نظر إليها ،
كانت فتاة جميلة ذات شعر ذهبي حريري ، و عينين برزقة السماء ،
هتفت مقطبة حاجبيها باستياء :
_دائما ما تلح علي لأرافقك في نزهة إلى هذا المكان ، ثم تنام و تتركني أجلس وحدي بملل.
إعتدل كمال جالسا وهو يضحك ، قال:
_لست نائما يا ليلى.
تلاشت ملامح الاستياء عن وجه ليلى و قالت في حماس جذل :
_رأيت الزينة و التجهيزات للحفل ، أعجبتني الأزهار كثيرا ، إنها مذهلة.
مط كمال شفتيه و قال :
_هذا ما قالته والدتي حين إنتقتها مع مصمم الحفلات.
هتفت ليلى لتضايقه :
_كنت واثقة ... حتما ليس ذوقك أنت.
أمسك كمال بيدها و قال وهو يبتسم بمكر :
_و ما به ذوقي ؟ أنا أجده رائعا !
سحبت ليلى يدها بهدوء وهي تلتفت أمامها إلى الجدول الصغير ،
في محاولة لإخفاء خجلها ، قالت مغيرة الموضوع :
_متى ستبدأ العمل في شركة أبيك ؟
عاد كمال للإستلقاء وهو يضحك ، ثم أجاب :
_سأبدأ في الغد ، اسبوع واحد آخذ بعده إجازة لأجل الزفاف.
هبت نسمات هواء لطيفة منعشة ، في تلك البقعة الجميلة.
نظرت اليه ليلى فوجدته مستلقيا مغمض العينين من جديد ،
ابتسمت بمكر و خطرت في بالها فكرة ،
نهضت متوجهة إلى الجدول الصغير ،
تحسست باصابعها المياه ، كانت بادرة ،
ألصقت كفيها ببعض و حملت كمية من الماء بين يديها ،
و عادت به ، لتسكبه على رأس كمال الذي انتفض ذاهلا ،
قالت وهي تضحك :
_ألم أقل لك لا تنم ، هذا جزاؤك !
ضحك كمال وهو يهز شعره الذي تبلل ،
ثم توقف عن الضحك وهو يصيح بغضب مصطنع :
_لقد أفسدت شعري و قميصي المفضل ، سترين !
و لكنها ضحكت أكثر و راحت تركض في مرح ،
و شعرها الطويل يتطاير خلفها.
نهض كمال و لحق بها .
كانت العصافير تزقزق عازفة لحنا عذبا ،
يختلط مع ضحكاتهما السعيدة ،
و أرسلت الشمس أشعتها الذهبية تشاركهما فرحهما.
و لكن و فجأة ..
اضطربت تلك الصورة و اختلفت ...
تلبدت السماء بغيوم سوداء قاتمة ...
و هبت ريح عاصفة ...
خيمت الظلمة على الأجواء ...
و أما الضوء الشحيح في المكان ...
فبدا منبعثا من جلد ليلى ...
لم يستطع رؤية وجهها ...
رآها تبتعد أكثر فأكثر ...
و تتركه وحيدا في الظلمة ...
لم يكن ليلحق بها مهما أسرع في الجري ...
و لم تلتفت نحوه مهما صرخ و نادى ...
فتح عينيه في نحو الثامنة صباحا ،
كان زياد قد دخل إلى الغرفة للتو ،
سمع صيحات كمال قبل قليل و لاحظ شحوب وجهه ،
كان واضحا انه رأى كابوسا ما.
فضل زياد أن لا يسأله ، وضع الطعام على الطاولة التي مازالت في مكانها الجديد الذي اختاره زياد ، ملاصقة للسرير ،
و راقبه وهو ينهض و يسير مستعينا بالحائط نحو غرفة الحمام الجانبية ،
غسل كمال وجهه ليمحو و يزيل آثار تلك الذكرى و ما خلفته من ألم ،
تنهد وهو يغمغم بأسى :
_لماذا تذكرتها الآن ؟
لماذا لم انسى بعد مرور كل هذا الوقت ؟
عاد كمال إلى الغرفة ، فقال زياد :
_صباح الخير.
صمت كمال لبرهة ، لقد كان مستغربا كيف لم يلحظ وجوده في الغرفة ،
أجاب كمال وهو يعود للجلوس على طرف سريره :
_أهذا أنت من جديد ؟
قال زياد وهو يجلس على الكرسي أمام الطاولة :
_أجل أنا ، هل تزعجك رؤيتي إلى هذه الدرجــ ..
بتر كلامه بغتة و هز رأسه و قال :
_لم أقصد ، أنا آسف.
كان كمال شاردا غمغم بلا اكتراث :
_مما تعتذر ؟
تمتم زياد وهو يرتب الصحون أمامه :
_قلت أنك تنزعج من رؤيتي ، و ... أنت لا تبصر.
لم يبدي كمال أي اهتمام ، سأل زياد :
_ألن تأكل ؟
أومأ كمال برأسه نفيا و أجاب :
_ليست لدي رغبة في الطعام.
ابتسم زياد قائلا:
_لقد اجريت بحثا عن الأمونيا ، و اكتشفت انها مادة كيميائة سامة ،
إذا فكل ما كنت تحاول اخباري به هو أن جابر هذا شخص سيئ ،
لقد فهمت تلك النقطة جيدا ، اتمنى أن تنتقل إلى غيرها ، و تخبرني المزيد.
لم يرد كمال ، عقد زياد ساعديه وهو يتراجع في الكرسي هاتفا :
_ألا ترى بأنك تتجاهل أسئلتي ، لماذا لا تقول ما لديك ؟ لقد وصل فضولي إلى أوجه.
تمتم كمال ببرود :
_ليس لدي ما أقوله لك ، لقد أخبرتك انه لن يكون في صالحك أن تعرف شيئا عن الأمر.
تنهد زياد و قال باستسلام :
_حسنا ، كما تشاء ، لا تقل أي شيء ، فقط كل طعامك حتى لا تغضب السيدة السمينة.
ردد كمال مستغربا :
_سيدة سمينة .. !
ضحك زياد و قال موضحا :
_السيدة التي تتعب بتحضير الطعام ، إنها حادة الطباع ، و تغضب كثيرا عندما لا تأكل شيئا من طبخها.
لم يستطع زياد دفع الكآبة التي اغرقته وهو يرى حال كمال المزرية الذي تنهد بعمق دون ان يرد ،
سأله :
_ألا تود التكلم ؟
هز كمال رأسه نفيا و قال :
_إذا سمحت ، أريد البقاء وحدي يا زياد .
تنهد زياد بعمق وهو يخطو خارجا من الغرفة
¤ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ¤
احس بثقل في جفنيه وهو يحاول فتحهما ،
لقد كان يشعر بدوار و صداع شديدين ،
حاول النهوض وهو يستعيد احداث ليلة البارحة ،
لا شك و أن صفوان غرز في جسده واحدة من تلك الإبر التي يبيعها ،
وقف بسام على قدميه بصعوبة ،
كانت الأرض تدور تحت اقدامه ،
دفع بابا صغيرا عند زاوية الغرفة ،
و دخل إلى الحمام ،
فتح صنبور المياه و ترك الماء ينهمر على رأسه ،
لقد كان يحاول التركيز ليخرج من ورطته هذه ،
اغلق صنبور المياه و نظر إلى وجهه في المرآة التي على الجدار.
لقد كانت عيناه زائغتين ، وكان وجهه شاحبا ،
رفع شعره المبلل عن وجهه ليربطه إلى الخلف بحلقة مطاطية كانت قرب الصنبور ،
ثم خلع جميع الاقراط التي كان يضعها و رماها على الأرض.
عاد للغرفة وهو يشعر أن دواره قد خف ،
و وقع بصره على واحدة من تلك العلب الصغيرة التي يبيعها و التي أستخدمها صفوان معه ،
كانت فوق الخزانة ،
رفعها و قبض باصابعه عليها بقوة ،
على نحو يشف عن حنقه و ثورته ،
ثم رماها للتتكسر على الحائط و تتناثر أشلاؤها على الأرض .
توجه بسام إلى النافذة ، نظر من خلالها ،
لم تكن المسافة مرتفعة ، فكر في القفز ، حين فاجأه صوت تلك المرأة :
_ماذا تفعل عندك ؟ إياك أن تفكر في ذلك حتى ؟
إستدار بسام إليها نصف إستدارة و ابتسم بسخرية ،
ثم قفز من النافذة إلى الأرض ،
فقد توازنه بسبب دواره ، فسقط أرضا على ركبتيه ،
و لكنه هب واقفا و جرى بسرعة ، صرخت تلك المرأة :
_ إنه يحاول الهرب ، أسرعوا !
قال صفوان الذي دخل الغرفة بهدوء :
_دعيه ، لن يبتعد كثيرا ، سوف يعود بنفسه ليحصل على المزيد من هذه.
قالها وهو يرفع كيسا صغيرا ،
في داخله مادة بيضاء ، اتسعت عينا المرأة وهي تقول :
_أسقيته واحدة من هذه ؟
لاح شبح ابتسامة مرعبة على شفتي صفوان وهو يجيب :
_أجل لقد فعلت.
و اتسعت ابتسامته أكثر و أكثر
¤ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـ¤