في ذلك المستودع القديم ، في الحي الثالث من أحياء تلك المنطقة المتواضعة من المدينة ،
جلس ذلك الشاب "الزعيم" على أحد الصناديق المبعثرة في المستودع ،
حوله مجموعة من الشبان يوزع عليهم نقودا من الكيس الذي أمامه ،
أخذ جميع من كان في المكان حصتهم عدا أسامة الذي جلس بعيدا فوق مجموعة من الصناديق ، ابتسم أحد أولائك الشباب بخبث ، وهو يتوجه نحو أسامة ، قال :
_كيف حال والدتك المريضة يا أسامة ؟
تطلع اليه أسامة بحدة و قال :
_هذا أمر لا يعنيك !
قهقه قائلا :
_صحيح أنني كنت من أشد معارضي عودتك إلى العصابة ، و لكن هذا لا يجعلنا أعداء ، حين علمنا بالصفقة التي أبرمتها مع الزعيم ، غضبنا ظنا منا أنك ستستفيد على خلافنا ، قلنا لماذا يتقاضى أسامة أجرا ثابتا حتى لو لم نجني أي ربح يذكر ، و لكني أدركت هذه الليلة انك خاسر أيضا في صفقتك ، للأسف لن تحصل على شيء من غنيمة هذه الليلة ، لأنك تقاضيت أجرك مسبقا ، لعلك لم تحسن تقدير الأمور.
قال أسامة بغضب :
_لما لا تنصرف من أمامي يا عامر ؟
قاطعهم نداء الزعيم :
_أسامة ، تعال.
قفز أسامة من فوق الصناديق ، قال عامر :
_اذهب ، ربما قرر الزعيم أن يكون كريما معك الليلة.
تجاهله أسامة وهو يتقدم حتى وقف أمام زعيم العصابة ،
ذلك الشاب ذو المظهر الشاذ ،
أقراط في أذنيه و شفته السفلى ،
وثياب سوداء غريبة.
نهض الزعيم و بقي ينظر إلى أسامة لحظات دون أن تفصح ملامحه عن تعبير محدد.
فجأة ..
لكم الزعيم أسامة على معدته لكمة ساحقة ،
تكور أسامة على نفسه وهو يسقط على الأرض ،
في حين حملق كل من في المكان فيهما بدهشة ،
ما عدا عامر الذي لم تغادر الابتسامة الخبيثة شفتيه.
كانت لكمة ساحقة آذت أسامة بالفعل ،
فقد كانت بنية الزعيم الجسدية قوية ،
و كانت قوته هذه تساوي قوة شخصين بحجم أسامة.
داس الزعيم على عنق أسامة ،
فأمسك الأخير بقدمه محاولا إبعادها عنه ،
و عيناه مصوبتان عليه ،
تسألان عن سبب هذه المعاملة الجديدة ،
طرح الزعيم سؤاله مجيبا عن تلك النظرات :
_أصحيح أن زياد خرج من السجن ؟
ثم رفع قدمه عنه ليسمح له بالإجابة ،
سعل أسامة بعنف و هز رأسه إيجابا ، ثم أعتدل جالسا يلتقط انفاسه ،سأل الزعيم بلهجة غاضبة لم توضحها ملامح وجهه الخالية من التعابير :
_لماذا أخفيت هذا الأمر ؟
أجاب أسامة :
_لقد علمت بالأمس فقط.
قال الزعيم بغير اقتناع :
_و لما لم يعد للعصابة ؟
صمت أسامة و لم يرد ، فتابع :
_إذا .. ما سمعته صحيح ، إنه لا ينوي العودة أبدا.
ارتسمت ابتسامة مخيفة على شفتيه وهو يستطرد :
_مصيره سيكون كمصير كل من يخون عصابتنا.
هتف أسامة محتجا :
_إنه ليس خائنا ، لقد قرر أن يعيش حياة مستقيمة خالية من المشاكل ، لما لا تدعه و شأنه.
تلاشت تلك الابتسامة من وجه الزعيم وهو يقول :
_انه صديقك أليس كذلك ؟ اقنعه بالعودة و إلا نفذت بكما القصاص المعتاد بالخونة !
شحب وجه أسامة وهو يصيح :
_ولكنه لن يقبل ، لقد حاولت معه و رفض ، زياد لن يرضى فهو عنيد للغاية ، ارجوك انسى أمره ، أنت لست بحاجة اليه.
عاد الزعيم إلى الجلوس في مكانه و قال :
_اذهب ، أمامك ثلاثة أيام فقط لإقناع زياد ، لا ترني وجهك خلالها ما لم تحضره ، و إن لم تعد عند انتهاء الفترة المحددة...
و ابتسم بخبث وهو يشدد على آخر عبارة :
_سيكون على أخويك تحمل النتائج ، و لو كنت مكانك لما فكرت في الخداع أو الهرب !
اتسعت عينا أسامة عن آخرهما و صرخ بذعر :
_إياك و أن تلمس أخوي ، هل تسمع ؟؟ لا علاقة لهما بأي شيء .
قال الزعيم ببرود :
_فقط إن أنت أجبرتني على ذلك ، و الآن تحرك .. هيا !
لم يستطع أسامة أن ينطق بحرف واحد وهو يغادر المستودع ،
بقي هائما على وجهه في الطرقات ،
حتى قادته قدماه إلى الميناء القريب ،
كانت هناك بعض السفن المتوقفة ،
و بعض الصناديق و البضائع.
وقف أمام البحر ،
لقد كان هدير الموج عاليا ،
و لكن ليس اعلى من ذلك الصراع في داخله ،
كيف يطلب من زياد أن يعود للعصابة ،
و يرمي به في ذلك المصير المجهول ؟؟؟
هو يعلم أن الزعيم يخطط لما هو أكبر من مجرد اعادته.
فكيف يتجاهل ذلك ؟؟؟
كيف يختار بين أخويه و صديقه ؟؟؟
نظر إلى البحر الفسيح ،
الذي صبغه الظلام بلونه الداكن.
هذا البحر يملك الدليل ،
إنه يخبئ في جوفه جثة آخر شخصين حاولا الغدر بالزعيم ،
حاولا ابتزازه فصنفا كخائنين مصيرهما الموت ،
لا ...
بل الاختفاء عن وجه الأرض ،
و هذا مصير كل خائن .
الزعيم ليس القوة الوحيدة التي ستقف في وجهه ،
فهو يعرف من يسانده ،
و من أين يستمد تلك قوة.
كان يعلم بكل هذا حين وافق على العودة لهم .
و الآن صار عليه وعلى زياد تحمل النتيجة.
إرتعش لفكرة كونه سيقتل ،
و ما سيعقب ذلك من كوارث ،
كفقدان الأمل الأخير لحياة أمه ،
و تشرد اخويه.
إنتهش الندم جسده إنتهاشا وهو يتذكر اليوم الذي أصبح فيه فردا من العصابة لأول مرة.
و في غمرة يأسه بدأ يضرب جبل الصناديق بقبضته ،
محاولا التخفيف عن همه الذي صار حملا يثقل كاهله ،
عن الحزن و الندم الذين أطبقا على صدره ،
وجد صور أسرته و ذكرياته تتسارع إلى ذهنه ،
صار يسمع صوت ماجد و رنا في أذنيه ،
يسمع عباراتهم :
_أسامة متى تأخذنا لزيارة أمي ؟؟
_أسامة ، لا أريد العمة سميرة ، لما لا تبقى معنا ؟؟
_هل سترحل كما رحلت أمي ؟
_ارجوك يا أخي ابقى معنا و لا ترحل ... لا ترحل !!
راح يضرب بكل قوته ، و أخذ يصرخ بمرارة :
_لقد كان خطئي أنا !!
مسؤوليتي أنا !!
لما يجب أن يؤثر هذا عليهم ؟؟
لما يجب أن يؤثر على كل من أحب و أهتم لأمره ؟؟
لماذا ؟ ...
لما يجب أن يدفعوا ثمن ما ارتكبت ؟؟
لماذا ؟ ... لماذا ؟؟
شد على قبضته التي أصبحت تنزف و وجه لكمة أخرى ،
لم يهتز لها جبل الصناديق الضخم ،
و لم تثلج عاصفة مرارته ، صرخ :
_لماذا ؟
و رفع قبضته من جديد ،
انتفض فجأة حين سمع في أذنيه ذلك الصوت المألوف ينادي :
_أسامة .. بني !
خارت قبضته و أسندها على الصندوق ،
اعتصر الأسى قلبه لتذكره صوتها ،
تمتم بغصة لونت صوته :
_لماذا ؟؟
ثم جلس على الأرض ،
و أسند ظهره على الصناديق ،
و أمسك برأسه الذي احسه سينفجر ،
و أسند مرفقيه على ركبتيه ،
بقي على وضعيته يردد بمرارة :
_لقد خذلتكم ! .. خذلتكم !
هبت الرياح قوية ،
دفعت الامواج لتتكسر على الصخور ،
كما تتكسر و تتحطم آمال أسامة بتحقيق ما تمناه و سعى إليه
¤ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ¤
كان رمزي جالسا خلف مكتبه في البيت ،
يقرأ كتابا بين يديه ,حين قاطعه صوت طرق على الباب , وضع رمزي الكتاب على الطاولة قائلا :
_تفضل.
دخلت ندى و هي تحمل فنجان شاي وضعته أمام رمزي قائلة :
_هل أزعجتك ؟
ابتسم رمزي وهو يرفع فنجانه قائلا :
_أبدا.
جلست على الكرسي أمامه ، بدت و كأنها تريد قول شيء ما و لكنها مترددة ، فسألها رمزي بحيرة :
_ما الأمر يا ندى ؟ هل كل شيء على مايرام ؟
أجابت ندى :
_أجل ، كل شيء بخير.
تنهدت ثم أردفت :
_لقد ذهبت هذا اليوم إلى مدرسة أخي القديمة ، و حصلت على عناوين بعض زملاءه ، لم احصل منهم على أي معلومات تذكر ، و لكنهم اجمعوا على أن بسام كان ولدا منطويا و إنعزاليا ، و أنه كان لا يتحدث إلى نادرا ، قالوا بانه كان يبدو حزينا دائما.
قالت الجزء الأخير بتأثر واضح ، جعل رمزي يرمقها بنظرة حزينة قبل أن يقول :
_ندى ، معالم الحزن كانت قد أصبحت جزءا من شقيقك منذ وفاة والديك ، لقد تأثر إلى أبعد حد بموتهما و تغيرت شخصيته تماما ، ليس سهلا على طفل أن يرى مجموعة لصوص يقتحمون منزله ، ليقتلوا والديه أمام عينيه ، و لا يحزن.
غمغمت ندى وهي تخفض رأسها :
_كان علي البقاء معه ، ما كان علي ترك المدينة.
تمتم رمزي بإشفاق :
_لم يكن هذا خطأك ، بل كان خطئي أنا ، ما كان علي التفريق بينكما ، لقد إرتأيت أن بقاءك مع خالتك سيكون أفضل لك ، و أن ارسال بسام إلى مدرسة داخلية أفضل له ، قلت لنفسي أنه سيحظى بالعناية هناك أكثر من بقاءه وحيدا هنا ، و لكني كنت مخطئا ، لقد ...
قاطعته ندى وهي تهز رأسها نفيا :
_لست الملام على ذلك يا عمي ، بسام اختفى فجأة ، و لم يتوقع أحد حدوث هذا ، و لكني لم أستطع معرفة شيء عن ذلك الرجل الذي وصفه لي زملاءه ، ألم تعرفوا عنه أي شيء حينها ؟
هز رمزي رأسه و كأنه يفكر ثم أجاب :
_بحسب ما أذكر كان اسمه صفوان ، لم تجد الشرطة أي شيء عنه ، فالمعلومات كانت قليلة للغاية ، لقد علمنا في ما بعد أنه كان يحضر يوميا لزيارة بسام ، و بأنه كان الشخص الوحيد الذي يتحدث معه ، و لكنه اختفى أيضا بعد اختفاءه ، ظنت الشرطة انها عملية اختطاف ، و لكنهم لم يجدوا أي دليل ، فأغلقت القضية.
سكت برهة قبل أن يضيف :
_ندى ، لا تنهك نفسك في البحث ، لا أرغب بقول هذا و لكن ، لو كان بسام حيا ، لما بقي مختفيا لأكثر من عشر سنوات ، لوأنه مايزال حيا لـ...
قاطعته من جديد وهي تهتف :
_لا تقل هذا ، حتى و إن كانت نسبة بقاءه حيا هي نسبة واحد بالمئة ، فلن أتوقف عن البحث ، لن أتوقف حتى أتأكد من خبر موته بنفسي.
غمغم رمزي :
_كما تشائين يا ندى ، و لكن كوني حذرة.
هزت رأسها قائلة :
_لا تقلق علي ، سأكون بخير.
¤ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ¤
كان مستلقيا على الكنبة مغلقا عينيه بإنهاك ،
مازال رأسه يدور حتى اللحظة ،
و هو يفكر في حل لمصيبته.
شعر بيد صغيرة على رأسه ،
ففتح عينيه و ابتسم لها ،
قالت رنا و هي تمسح على شعره باصابعها الصغيرة :
_أسامة ، هل أنت نائم ؟
هز أسامة رأسه نفيا ، فسألت من جديد و قد بدت نظرة قلق غير مبررة على وجهها :
_هل تؤلمك يدك ؟
ابتسم لها من جديد ، ابتسامة شاحبة حزينة و قال :
_لا ، ليست يدي التي تؤلمني.
نظرت رنا اليه بغير فهم ، فاعتدل جالسا و احتضنها بألم ،
غير قادر على تصور حدوث مكروه لها أو لماجد ،
عاد يرسم ابتسامة أخرى وهو يجلسها في حضنه و سأل :
_أين ماجد ؟
ضحكت رنا و أشارت بيدها. أدار أسامة رأسه لينظر إلى حيث تشير ،
و شهق حين رأى ماجد أمام المطبخ ،
مغطى بالدقيق و شيء أحمر بدا كصلصة طماطم ،
و بقع أخرى لم يعرفها ،
صاح أسامة بحدة أفزعت رنا :
_ما هذا ؟ ما الذي فعلته ؟
تمتم ماجد :
_لقد كنت اصنع ..
قاطعه أسامة وهو يصيح بصرامة :
_أي تصرف هذا ؟ ألا أستطيع أن أغفل عنك لحظة واحدة ؟
بدأ ماجد بالبكاء وهو يتمتم :
_لقد كنت جائعا و .. و أردت أن..
و سكت بعدها وهو يغطي وجهه بذراعه و يبكي.
نهض أسامة وهو يجلس رنا على الكنبة و تقدم نحو ماجد ، قال بهدوء :
_إن كنت جائعا يا ماجد لما لم تقل لي ؟ لا يجوز أن تطبخ بنفسك.
تمتم ماجد وهو يمسح دموعه :
_أنت كنت نائما ، و لم أرد ازعاجك ، كما و أن يدك مصابة.
و أشار إلى يد أسامة اليمنى التي لفها بالضماد ، انحنى أسامة وهو ينظر في وجهه الملوث ، لكز جبهته بسبابته و ابتسم قائلا :
_عليك و على اختك فهم شيء مهم جدا عني.
سأل ماجد بحيرة :
_و ما هو ؟
نقل أسامة بصره بين ماجد و رنا التي كانت تنظر اليه بالحيرة ذاتها ، ليتأكد من أنهما يسمعانه ، قبل أن يشير إلى صدره ، و يقول بصوت جهور مصطنع :
_إن هذا الأمر هو أن شقيقكما أسامة لا يؤذى ببساطة لانه قوي جدا ، فلا تقلقا عليه ابدا ، و اتركا له مهمة الاهتمام بكل شيء هنا !
ضحك ماجد وهو يهتف :
_مثل البطل الخارق.
هز أسامة رأسه و قال :
_تماما أيها الطباخ الصغير ، و الآن اذهب و إغتسل ريثما احضر لكما العشاء ، و انظف الكارثة التي احدثتها في المطبخ.
ارتفع فجأة صوت جرس الباب ، فذهب أسامة ليفتحه ، وهو يغمغم :
_من يمكن أن يزورنا في هذا الوقت ؟
و لحق به أخواه ، مد أسامة يده لمقبض الباب و لكنه تردد ،
و هو يفكر في أن الطارق قد يكون أحد أفراد العصابة ،
لا أحد يأتي لزيارتهم في العادة ،
لعل الزعيم أرسل رسالة تهديد فعلية هذه المرة ،
فهذا من شيمه التي يعرفها .
التفت إلى اخويه ، و قال بتوتر :
_اذهبا إلى الغرفة و لا تخرجا ابدا حتى اسمح لكما ، هل فهمتما ؟
لم يجبه أي منهما ، فصاح بصرامة :
_تحركا !
سحب ماجد رنا من يدها و دخلا الغرفة ،
فأخذ أسامة نفسا عميقا و فتح الباب ليرى ...
¤ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــ¤
أخذ أسامة نفسا عميقا و فتح الباب ليرى من الطارق ،
اتسعت عيناه و انتفض قلبه حين رأى رجلي شرطة أمام الباب ، قال أحدهما :
_هل أنت أسامة سعيد ؟
تجمدت الكلمات في حلق أسامة ،
و لم يستطع أن ينطق بحرف واحد من صدمته ، كرر الشرطي سؤاله :
_هل أنت المدعو أسامة سعيد أجب ؟؟
أفلح أسامة في التحدث أخيرا ، أجاب بصوت مخنوق :
_نعم ، مـ.. ماذا هناك ؟!
قالها غير قادر على اخفاء قلقه و توتره
¤ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ¤
سادت الظلمة جو الغرفة ،
و سكنت الحركة ،
وهو يتسلل بخفة و هدوء تام ،
دخل حسام الغرفة ،
و توجه إلى المكتب ، بدأ يبحث في ادراجه عن شيء ذي قيمة.
وجد من بين الملفات ما لفت انظاره ، همس وهو يقرأ في ذلك الملف الأسود:
_استيراد شحنة من الأدوية ؟ لا أعتقد !
ثم اخرج كاميرا من جيب سترته الطويلة ،
و أخذ يصورالأوراق جميعها ، و أعاده إلى مكانه وهو يغمغم :
_أنا أعرف حقيقة ما تتاجر به في الخفاء يا جابر ، و لكن ما الذي يدفع رجلا بمثل مكانتك إلى فعل شيء كهذا ؟
ابتسم وهو يستطرد :
_ما أغباني ! المال هو الدافع بالتأكيد.
ثم تسلل خارجا من المكتب ، قال حين وصل إلى المخرج الخلفي :
_هذه المعلومات لا تهم سالم ، و لكنها تهم جابر.
خطى خرجا من المنزل وهو يبتسم بخبث مغمغما :
_سيد جابر ، لابد أن تدفع الكثير لقاء ابقاء هذه المعلومات سرا ، و لكن علي أن لا انسى سالم ، عليه سماع الاخبار الجديدة !
و سار مبتعدا عبر الشارع ،
دون أن يلاحظ مهران الذي كان في سيارته أمام المنزل ،
يتتبعه بنظراته.
¤ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ¤
ارتفع حاجبا أسامة من الدهشة ، و شحب وجهه وهو يغمغم :
_هلا أعدت ما قلته يا سيدي ؟؟
ابتسم الشرطي ابتسامة متفهمة ، و نظر إلى زميله لحظة ، ثم قال :
_كما قلت لك ، الرجل الذي صدم والدك بسيارته قبل عامين جاء و سلم نفسه ، و قد أصر على أن يدفع تعويضا لقاء ما سببه ، و هذا المبلغ المالي هو كاعتذار عما فعل.
ملأت الصدمة وجه أسامة ،
و كانت هي عنوانه ، تأمل الشرطي ملامحه ليقرأ تأثير كلماته عليه ،
لم يظهر عليه أي تعبير متوقع ، لا غضب أو حزن ، و لا سعادة أو فرح ، فقط الصدمة.
قال الشرطي :
_أنت تعرف بأن ما أصاب والدك قضاء و قدر ، فحصنا لموقع الحادث و كلام الشهود أكدا أنه كان حادثا غير متعمد ، لقد تركنا الرجل يذهب بعد أن سلمنا هذا المال ، لقد كان يشعر بتأنيب الضمير ، و فكر في أن هذا سيخفف عنه و عنكم ، عليك أن تنسى الأمر ، فالاحقاد و الضغائن ..
قاطعه أسامة الذي بدا وكأنه قد أفاق من صدمته :
_لا .. لا ، أنا لست غاضبا أو حاقدا ، اشكرك على كل شيء سيدي.
ابتسم الشرطي وقال :
_تعال غدا إلى مركز الشرطة لتستلم النقود ، و تنهي بعض الإجراءات الضرورية.
أومأ أسامة برأسه مبتسما و قال :
_سأفعل.
انصرف الشرطيان فأوصد أسامة الباب ، سمع صوت ماجد يصيح من داخل الغرفة :
_أسامة ، هل نستطيع الخروج الآن؟
ضحك أسامة وهو يركض باتجاه الغرفة ،
كانت سعادته بالاخبار الجديدة لا توصف ،
فتح باب الغرفة ليرى ماجد يقف أمامه ،
و بدا أن رنا قد غفت على الأرض و هي متشبتة بدميتها ،
رفع أسامة ماجد عاليا و راح يدور به هاتفا في مرح و سعادة :
_لقد انتهى الأمر !
إنتهت أيام النهب مع العصابة !
إنتهت !
ستخضع أمي للجراحة أخيرا !
أخيرا !
سأل ماجد وهو يضحك سعيدا دون أن يفهم شيئا :
_أخي ماذا حدث ؟
استيقظت رنا وسط ضحكات و هتافات أسامة ،
و أخذت تبكي فزعة ، توقف أسامة عن الضحك فجأة وهو يضع ماجد أرضا ،
و تلاشت ملامح الفرح عن وجهه ، ليحل محلها الغم الذي أصبح لمحة معتادة فيه ، تمتم أسامة بتوتر :
_و لكن مازالت المشكلة الرئيسية قائمة ، كيف أتخلص من الزعيم و أفراد العصابة ؟ إنهم يتوقعون مني احضار زياد خلال ثلاثة أيام فقط.
و أردف وهو يحضن رنا التي لم تتوقف عن الصراخ و البكاء و يهدئها :
_ما الحل ؟ كيف اتصرف ؟
¤ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ¤